
لا يمكن لاحد إنكار أهمية الدور المتميز الذي لعبته المرأة في التاريخ. ففي كل العصور استطاعت النساء إثبات قوتهن، فصار بعضهن ملكات واميرات ورئيسات حكومة ووصاحبات قرار ومنتخبات وموظفات متميزات؛ وقد صاغت المرأة التاريخ أحيانا وأعادت بناءه بطرق عجز عنها الكثير من الرجال. إلا أن المرأة على مر الزمان لم يُنظر إليها على أنها جديرة بالسلطة، فظلت في الغالب تعيش تحت رحمة المجتمع الذكوري يتحكم بها ويهمش أدوارها، وقد استمر هذا الوضع على مر التاريخ وفي أماكن عديدة، إلا أن المرأة في العصر الحالي استطاعت أن تثبت وجودها وكفاءتها وان تكون على مستوى الرجل في خدمة الأمة والبناء الوطني. وفي المجتمع الموريتاني تميزت المراة بفائدتها على المجتمع وبالنبوغ والعلم والشجاعة ورفعة النفس وظلت محل تقدير وتبجيل وتكريم. فكانت من بين النساء الموريتانيات عالمات وفقيهات وسيدات عظيمات، بل يمكن القول بدون مبالغة ان وراء كل موريتاني عظيم امراة. ومع قيام الدولة واستقلال البلاد، دخلت المراة الموريتانية معترك الحياة وساهمت بقوة في البناء الوطني. ومع ان هذا الدخول كان متدرجا، الا انه كان ثابتا وظل يتطور نحو الأفضل حتى وصلت المرأة اليوم الى مستوى يكاد يكون موازيا لمستوى الرجل. وتجسد السيدة بنت عبد المالك رئيسة جهة تواكشوط الحالية قصة نجاح المراة الموريتانية. فهي اول امراة موريتانية تنتخب عمدة في البلاد وكان ذلك في سنة 2001 (بلديةتفرغ زينه)، وبفضل كفاءتها وحسن تسييرها ونزاهتها، ملكت قلوب المواطنين وضربت نموذجا يحتذى به، في حسن التسيير والتفاني في خدمة الناس، أهلها ذلك لاعادة انتخابها ثلاث مرات متتالية، ثم انتخبت في سبتمبر 2018 أول رئيسة لجهة نواكشوط، وأعيد انتخابها في مايو 2023 لمأمورية ثانية مدتها 5 سنوات. وقد هزمت في كل مرة اقوى المنافسين السياسيين واشرسهم.
ثم انها تألقت في سماء النجاح خارج حدود الوطن حيث تم انتخابها رئيسة شبكة النساء المنتخبات محليا في أفريقيا في سنة 2012، وحازت على العديد من التوشيحات من بينها ميدالية منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة لسنة 2005، وميدالية فارس في نظام الاستحقاق الوطني في فبراير 2013، وعينت فائزة للصمود من طرف الأمم المتحدة، كما حصلت على ميدالية منظمة المدن والحكومات المحلية الأفريقية.
وقد أقامت لها حكومة جمهورية بوركينا فاسو، في العاصمة واغادوغو، نصبا تذكاريا في شارع النجوم الذي يخلد أكثر الشخصيات المشهود لها بالتأثير الإيجابي في القارة الافريقية. فمن هي هذه السيدة..؟ تنتمي فاطمة منت عبد المالك لقبيلة اولاد داؤود العربية التي اشتهرت بالفروسية والقوة والشهامة كما عرفت من جهة اخرى بالعلم والتعليم والصلاح. وينتمي لهذه القبيلة بعض اكبر علماء بلاد شنقيط مثل يحيى الولاتي والشيخ محمد الاغظف مؤسس الطريقة الغظفية، وجد هذه السيدة القاضي عبد المالك وأبوه النفاع ولد الطالب أحمد جدو صاحب "الشرح على إضاءة الدجنة" للمقري وحفيده أحمد بن محمد المختار بن عبد المالك صاحب كتاب"التيسير والتسهيل على بعض مهمات خليل" الذي ذاع صيته في البلاد وخارجها وكان مرجع القضاة والمفتين.
ولدت فاطمة منت عبد المالك عام 1958 في تامشكط حيث كان والدها محمد ولد النًّ ولد عبد المالك يشتغل إداريا. بعد حصولها على الثاوية العامة درست الهندسة في جامعة مدينة لوفان في بلجيكا، وتخرجت بشهادة مهندس في المعلوماتية عام 1989. عملت ما بين 1990 و 1995 مديرة دار للمعلوماتية والنشر، وما بين 1996 و1998 شغلت منصب رئيسة مساعدة لقطاع الإعلام ببنك الإسكان، ثم مديرة شبكة في نفس البنك حتى عام 2001، حيث تم انتخابها عمدة لبلدية تفرغ زينه. شغلت ما بين مايو 2007 وأكتوبر 2008 منصب الأمينة العامة لوزارة التجهيز والعمران والإسكان. وفي أكتوبر 2008 عينت مكلفة بمهمة في الوزارة الأولى.
وترأس حاليا وللمرة الثانية جهة نواكشوط منذ 2023، وبفضل جديتها وكفاءتها وتجربتها، استطاعت ان تجعل من هذه المؤسسة التي تشرف على بلديات العاصمة التسع، الملجأ الأساسي لحل مشاكل سكان العاصمة، وقطبا جهويا للتنمية وتقديم الخدمات العامة. وبفضل صرامتها وقوة شخصيتها فرضت النظام في هذه المؤسسة ووضعت حدا للفساد وسنت طريقة واضحة وشفافة للمعاملات. ولم يرق ذلك لبعض المتنفذين فحاول ان يضع العراقيل أمامها ويحط من شأنها لكنها كانت الجبل الذي لا تهزه الريح.
ولم يتوقف نجاحها على مستواها الشخصي، بل مدت يدها لاخواتها الموريتانيات وبفضلها نجح بعضهن في الانتخابات وأصبحن عمدات. وبذلت جهودا كبيرة لترقية المرأة الموريتانية وتحسين ظروفها ودعمها في الدراسة والتوظيف.
وإلى جانب ذلك، ظلت فاطمة منت عبد المالك تسهر على القيام بمساعدة المواطنين والعمل الخيري لصالحهم واعانة المرضي وتقديم الدعم للأحياء الأكثر فقرا في العاصمة نواكشوط. لذلك وكما قلت في البداية ملكت قلوب المواطنين.
أتمنى واحسبها امنية كثير من سكان نواكشوط، ان تشغل هذه السيدة الموريتانية المتميزة منصب وزيرة أولى للمرة الأولى في حياة الأمة.
بقلم العقيد المتقاعد أحمد سالم ولد لكبيد